القاضي عبد الجبار الهمذاني
413
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وبعد ، فإن الّذي ذكرناه لو جاز على عاقل واحد ، لما جاز على جميع العقلاء إذا اجتمعوا وتذاكروا ؛ لأنا نعلم أن من كثيرا من الأمور لا نذكره ، فإذا اجتمعنا مع من نال هذه الأحوال كما نلناها « 1 » وتذاكرنا بها « 2 » ذكرناها « 3 » لا محالة . وقد علمنا أن العقلاء الذين كانوا من قبل - لو كان الأمر كما قالوا - يجتمعون كاجتماعهم الآن ، فكان يجب عند اجتماعهم وتذاكرهم أن يتذاكروا أو يتذكر بعضهم . ومن ادّعى ذلك على العقلاء فهو بمنزلة من يدعى عليهم سائر ما ذكرناه من أنهم يجوزون على أنفسهم الولايات العظيمة وهم قد سهوا عنها . وبطلان ذلك يبين أن هذه الآلام ليست عقوبة على جرم قد تقدّم كما زعموه ، فأما قولهم أنه تخلل بين حالتي كمال العقل وزوال العقل ، فلذلك لا تذكره « 4 » ، فبعيد ؛ لأن ذلك يوجب في أحدنا أن لا يذكر في يومه ما فعله بالأمس لتخلل النوم بين الحالتين ، وأن لا يذكر من يلحقه في بعض الأوقات جنون أو سكر أو إغماء ، ما كان منه من قبل من الأمور العظيمة . وفساد ذلك يبين صحة ما اعتمدناه . ومما يدل على ما قلناه في ذلك ما استدل به أبو هاشم رحمه اللّه من أن من حق الآلام المستحقة أن لا يجب الرضا بها والصبر عليها / بل يحسن من المفعول به أن يهرب منها ويجزع ويدفع عن نفسه ذلك بكل ما يجد السبيل إليه . وقد علمنا أن الواجب على من يلحقه الأمراض منا أن يصبر ويرضى ويطمئن إليه ، ويقبح منه أن يجزع ؛ وذلك يبين أنها مفعولة للنفع وأنها تجرى مجرى سائر النعم التي يلزمنا الشكر عليها والرضا بها ، وإن كانت تلك منفعة في الوقت وهذه منفعة في العاقبة . يبين صحة ما ذكرناه أن أحدنا في حكم الملجأ إلى الامتناع من
--> ( 1 ) في الأصل : نلناه . ( 2 ) في الأصل : به . ( 3 ) في الأصل : ذكرناه . ( 4 ) أي نتذكره .